علي بن أحمد المهائمي
580
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
هذا المقام تحقّقت بحيوانيّتي تحقّقا كلّيّا ، فكنت أرى وأريد أن أنطق بما أشاهده فلا أستطيع ؛ فكنت لا أفرّق بيني وبين الخرس الّذين لا يتكلّمون ، فإذا تحقّق بما ذكرناه انتقل إلى أن يكون عقلا مجرّدا في غير مادّة طبيعيّة ، فيشهد أمورا هي أصول لما يظهر في الصّور الطّبيعيّة فيعلم من أين ظهر هذا الحكم في الصّور الطّبيعيّة علما ذوقيّا ، فإن كوشف على أنّ الطّبيعيّة عين نفس الرّحمن فقد أوتي خيرا كثيرا ، إن اقتصر معه على ما ذكرناه ؛ فهذا القدر يكفيه من المعرفة الحاكمة على عقله ؛ فيلحق بالعارفين ، ويعرف عند ذلك ذوقا ، فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [ الأنفال : 17 ] ، وما قتلهم إلّا الحديد والضّارب والّذي خلف هذه الصّور . فبالمجموع وقع القتل والرّمي ، فيشاهد الأمور بأصولها وصورها ، فيكون تامّا ؛ فإن شهد النّفس كان مع التّمام كاملا ؛ فلا يرى إلّا اللّه سبحانه عين ما يرى ، فيرى الرّائي عين المرئيّ ، وهذا القدر كاف ، واللّه الموفّق الهادي ] . ثم أشار إلى خواص هذه الحيوانية ؛ ليعلم أن من استجمعها كان متحققا بها من كل وجه ، وإلا كان متحققا بها من وجه دون وجه ، ومن ليس فيه شيء منهما ، فكأنه ليس بحيوان أصلا ، وإن عد من الحيوانات ، فقال : ( وعلامته علامتان العلامة الواحدة هذا الكشف ) المخصوص بمن تخفت حيوانيته عن الإنسانية والجنية ، وهو كشف الأمور البرزخية ما في البرزخ والقيمة وسائر الملكوتيات . أما كشف ما في البرزخ ، ( فيرى من تعذب في قبره ومن تنعم ، ويرى الميت حيّا ) معذبا أو منعما ، ( والصامت متكلما ) ناطقا ، كما أشار إليه بقوله عزّ وجل : عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [ النمل : 16 ] ، وقوله : أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ فصلت : 21 ] ، وقوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] ، ( والقاعدة ماشيا ) ، كما أشار إليه قوله عزّ وجل : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [ النمل : 88 ] . ( والعلامة الثانية الخرس ) « 1 » عن النطق الإنساني ( بحيث لو أراد أن ينطق بما رآه ) في الحس أو في الكشف ( لم يقدر ) على النطق ، ( فحينئذ ) أي : حين إذ يجمع العلامتين ( يتحقق بحيوانيته ) من كل وجه لجمعيته خواصها ، ( وكان لنا تلميذ قد حصل له هذا الكشف ) الذي هو العلامة الأولى ، ( غير أنه ) لم تحصل له العلامة الثانية ، إذ ( لم يحفظ عليه الخرس ، فلم يتحقق بحيوانيته ) من كل وجه ، بل لا يقال : إنه تحقق بها من وجه أيضا ، إذ هذه العلامة هي الظاهرة ، فإذا فقدها فكأنما فقد الحيوانية من كل وجه ، ( ولما
--> ( 1 ) الخرس : إجمال الخطاب لضرب من القهر .